الشيخ أحمد فريد المزيدي
134
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
كنت أصحبه بالشونيزية في حال الإرادة وكنت معه في خرقتين وهو الساعة أشدّ فقرا منه في تلك الحالة وفي تلك الأيام « 1 » . القبض والبسط قال الجنيد قدّس اللّه سرّه في معنى القبض والبسط : يعني الخوف والرجاء ، فالرجاء يبسط إلى الطاعة ، والخوف يقبض عن المعصية « 2 » . الهيبة والأنس سئل الجنيد قدّس اللّه سرّه عن الأنس باللّه ؟ فقال : ارتفاع الحشمة مع وجود الهيبة « 3 » . وقال أبو القاسم الجنيد قدّس اللّه سرّه : اطّراح هذه الأمة من المروءة ، والاستئناس بهم حجاب عن اللّه تعالى ، والطمع فيهم فقر الدنيا والآخرة « 4 » . يقول الجنيد : كان الحارث بن أسد يجيء إلى منزلنا ، فيقول : اخرج معي نصحر . فأقول له : تخرجني من عزلتي وأمني على نفسي إلى الطرقات والآفات ورؤية الشهوات . فيقول : اخرج معي ولا خوف عليك . فأخرج معه فكأنّ الطريق فارغ من كل شيء ، لا نرى شيئا نكرهه ، فإذا حصلت معه في المكان الذي يجلس فيه قال لي : سلني ؟ فأقول له : ما عندي سؤال أسألك ! فيقول : سلني عمّا يقع في نفسك ؟ فتنثال عليّ السؤالات ، فأسأله عنها ، فيجيبني عليها في الوقت ، ثم يمضي إلى منزله ، فيعملها كتبا « 5 » . يقول الجنيد : كنت أقول للحارث كثيرا : عزلتي ، وأنسي ، وتخرجني إلى وحشة رؤية الناس والطرقات ! فيقول لي : كم تقول أنسي وعزلتي ! لو أن نصف الخلق تقرّبوا منّي ما وجدت بهم أنسا ، ولو أن النصف الآخر نأوا عنّي ما استوحشت لبعدهم « 6 » .
--> ( 1 ) انظر : تاريخ بغداد ( 8 / 430 ) وقال السلمي : سمعت منصور بن عبد اللّه يقول : سمعت أبا العباس ابن عطاء يقول : رويم أتم حالا من أن تغيّره تصاريف الأحوال . ( 2 ) انظر : اللمع ( ص 420 ) ، والمدارج لابن قيم ( 3 / 295 ) . ( 3 ) انظر : التعرف للكلاباذي ( ص 126 ) ، واللمع للطوسي ( ص 97 ) ، وعوارف المعارف للسهروردي ( ص 300 ) . ( 4 ) انظر : الكواكب الدرية ( 1 / 573 ) ، وطبقات الشافعية للسبكي ( 2 / 269 ) . ( 5 ) انظر : الحلية لأبي نعيم ( 10 / 255 ) . ( 6 ) انظر : الحلية لأبي نعيم ( 10 / 255 ) ، والسير ( 12 / 111 ) .